تقاريرسلايد

“شحنوها بالهليوكوبتر”.. هكذا سرق الإسرائيليون آثار سيناء بعد 1967

سرقات إسرائيل في سيناء

 

كتب – أحمد المرسي

 

في 17 سبتمير من العام 1978، وتحديداً في  منتجع الرئاسي الأمريكي “كامب ديفيد” في ولاية ميريلاند الأمريكية، وقف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر  وزوجته روزالين متوسطاً  كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن وزوجته، والرئيس المصري محمد أنور السادات وقرينته من أجل إلتقاط صورة تذكارية بعد التوقيع على معاهدة “كامب ديفيد” التاريخية التي ستساهم في إحلال السلام في الشرق الأوسط.

ويظهر في الصورة الجميع ومن خلفهم لفيف من الضباط والدبلوماسين، ولكن ما لم تظهره الصورة هو ما قاله بيجن أمام عدسات الكاميرات مشيداً بجهود جيمي كارتر لإحلال السلام في المنطقة، وعلى وجهه ابتسامة واسعة:

«المفترض أن تسمى هذه الإتفاقية إتفاقية جيمي كارتر، بسبب مجهوداته في إنجاح عملية المفاوضات” واستطرد:”الرئيس كارتر قام بمجهود أكبر من المجهود الذي قام به أجدادنا اليهود في بناء الأهرامات”، بينما رد عليه السادات بضحكة ساخرة!.

الحقيقة أن بيجن كان يقوم بنوع من الدعاية الاسرئيلية التي ستمتد سنوات طويلة بعد ذلك لإثبات أن اليهود هم من قاموا ببناء الأهرامات في نوع من أنواع السرقات التاريخية الغريبة.

وعلى الرغم من إثبات أن اليهود ليس لهم دخل في بناء الأهرامات، بالاكتشافات الأثرية الحديثة التي أثبتت وجود ما يسمى “مقابر بناة الأهرامات” بجوار أهرامات الجيزة والتي تحتوي على أجساد بناة الأهرامات والذين كانوا عمال مأجورين، قبل حتى وجود اليهود في أرض مصر إلا أن هذه الدعاية ظلت مستمرة.

وعلى الرغم من أن الدعاية الإسرائيلية لم تؤثر كثيراً في النظرة إلى الأهرامات عالمياً،  فهي لم تقابل لدى الأمريكيون على سبيل المثال إلا بعدم التصديق، وفنحن نجد نجد الأمريكيون في ملكوت آخر حيث تصور هوليودهم الأهرامات المصرية وقد بنتها المخلوقات الفضائية على سبيل المثال!

إلا أن هذه الدعاية الـ «بيجنية» تدل على الطمع الكبير لدى اليهود في سرقة التاريخ المصري والآثار المصرية طوال التاريخ المصري الممتد، وكان أكبر دليل على ذلك هو ما قامت به القوات الإسرائيلية في سيناء بعد عام 1967!.

سرقات موشي ديان!

بعد أن توغلت القوات الإسرائيلية في سيناء وانسحاب الجيش المصري، بدأ كل الفرق العسكرية تأخذ مكانها، وبعد شهور قليلة، وفد إلى تلك القواعد زوار أغراب لايحملون السلاح، ويرتدون النظارات الطبية، هبطوا عليهم بالطائرات الهيلوكوبتر، عرفوا بين الجنود باسم “البروفيسرات” وهم خبراء آثار من جامعات إسرائيل الكبيرة مثل جامعتي “بن جوريون” و”تل أبيب”، وكان هؤلاء لهم مهمة واحدة فقط: مسح المواقع الأثرية في سيناء وبدء عمليات التنقيب عن الآثار، بقيادة “موشي ديان” نفسه!

وعلى الرغم من أعمال التنقيب كانت ممنوعة بموجب إتفاقية «لاهاي» إلا أن اسرائيل ضربت بالإتفاقية بعرض الحائط!.

معاهدة «لاهاي»:

تسمى معاهدة لاهاي بإسم «إتفاقية لاهاي لحماية الملكية الثقافية في حالة النزاع المسلح»، وهي معاهدة دولية تطلب من الموقعين عليها حماية الملكية الثقافية في الحرب، وقد تم التوقيع عليها في 14 مايو 1954 في مدينة لاهاي بهولندا، ودخلت حيز التنفيذ في 7 أغسطس 1957 وتم التصديق عليها من أكثر من 100 دولة، وبناء على هذه الإتفاقية كان من المحظور على اسرائيل العبث في أراضي سيناء وللأسف فإن هذا لم يحدث.

السرقات الصهيونية.

قامت اسرائيل بأعمال الحفر منذ عام 1967 وحتى عام 1982وهو تاريخ  الإنسحاب النهائي لقواتها من أرض سيناء، حيث لم تحتوي بنود إتفاقية السلام على أي بند ينص على الآثار المصرية التي تم نهبها.

وقامت إسرائيل بالحفر في أكثر من 35موقع من مواقع الآثار المصرية بطرق غير علمية، بهدف الإتجار فيها أو لعرضها في متاحفها، وكانت أعمال الحفر تتم تحت عيني موشي ديان، وهو الرجل الذي أشرف بنفسه على تدمير هذه المواقع بعد أن قام بسرقتها، واعترف بتلك الأعمال في كتابه “العيش مع التوراة” الذي نشره عام 1978م.

وشملت المسروقات آثار تمت من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني وأيضاً العصر الإسلامي.

وحوت قائمة المنهوبات على كنوز لا تعد ولا تحصى ،حيث كان من ضمنها أدوات حجرية هامة نقلت لإسرائيل ومناطق آثار مصرية قديمة فى وادى المغارة، حيث توجد مناجم الفيروز عثروا بها على لوحات أثرية هامة نقلت لمتحف “هارتس” بتل أبيب كما سرقت 120 لوحة أثرية من معبد “سرابيت الخادم” بجنوب سيناء وعدد 35 تابوت فريد يعود تاريخها لعام 1400ق م، وتماثيل للمعبودة حتحور انتزعت من المعبد نفسه و 1166 مقبرة أثرية بوادى فيران عام 1978 قبل معاهدة كامب دافيد بعام وهى مقابر فردية وعائلية ضمت رفات رهبان ومدنيين من القاطنيين بالمدينة، وعثروا بهذه المقابر على كنوز أثرية كانت تدفن مع الرفات منها صلبان من الصدف وحلي وأساور أثرية .

بالإضافة إلى عملات ذهبية تعود إلى عصر الإمبراطور البيزنطي هرقل ورؤوس سهام فرعونية من البرونز وتماثيل حجرية للآلهة حتحور، ولوحة الملك تحتمس الثالث أعلاها قرص الشمس المجنح والحية، وجزء من تمثال رملي على هيئة أبو الهول بشكل أسد يظهر جالساً وساقاه الأماميتان عموديتان وينظر للأمام ، بالإضافة إلى تجهيزات عسكرية فرعونية تمثل عجلات حربية قديمة، وألواح من المرمر بالحروف اليونانية ومجموعات فخارية على شكل مصابيح للزيت، وغيرها.

وكانت أغلب هذه السرقات من مواقع محددة مثل “بئر العبد” و”الخروبة” وتلك المحمديات” و”قصرويت” و”سرابيت الخادم” و “الفلوسيات”.

وكانت كل هذه الآثار يتم نقلها فورياً عن طريق طائرات الهليكوبتر السريعة إلى داخل تل أبيب!

تخريب الآثار:

لم تسلم آثار سيناء كذلك فوق النهب من التخريب، حيث ومع دخول القوات الإسرائيلية إلى شبة الجزيرة التاريخية تم تدمير مدينة “الفارما” والتي عرفت قديماً باسم “بيلوزيوم” وهي مدينة أثرية لا يخلو كتاب تاريخ من ذكرها، وكانت دائماً أول المدن للدفاع عن مصر من الشمال الشرقي طوال التاريخ الممتد من عصور الفراعنة.

وتم نهب الفارما في الفترة بين عامي  1967 : 1976م ، حيث تم هدم المباني التي تعود إلى العصر الروماني والإسلامي وحولوا المدينة إلى محجر من أجل عمل الطرق للمواقع العسكرية الإسرائيلية وهدموا المدينة بالكامل بعد ذلك بالجرافات واللودرات واستخدموا بقاياها كمواقع عسكرية.

كما دمروا الكنائس بشمال سيناء بمنطقة “الفلوسات” التي تقع على الطريق الشرقي لبحيرة بردويل، وكانت مدينة عامرة في العصر المسيحي، ولها اسقف خاص، وكان بها دير بناه الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي، كما دمروا كنيسة “تل مخزن” بالفرما وحولوها إلى معسكر للجيش الإسرائيلي وكل هذه الكنائس كانت تقع في طريق العائلة المقدسة في رحلتها التي قامت بها السيدة مريم ويوسف النجار وهي تهرب بالسيد المسيح من هيرودوس الروماني،

وبالإضافة لتدمير آثار العصر المسيحي تم تدمير آثار العصر الإسلامي، حيث تم تحطيم الآثار الموجودة على طريق الحج الإسلامي ، حيث كانت القوافل قديماً تقطع سيناء عرضاً للوصول إلى مكة قبل شق قناة السويس، فدمر الإسرائييون قلعة تخل ، التي تعتبر أهم محطات الطريق، وكانوا قد دمروا جزء منها في الأساس في العدوان الثلاثي عام 1956.

وأنتقلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة الطور حيث تم تدمير المنطقة الأثرية بالكامل، ومنها  منطقة راس رايه، والتي كانت تحتوي على قلاع اسلامية من عصر الخلافة العباسية، ودمروا الميناء الأثري في منطقة تل الكيلاني بالطور، وقاموا باعمال حفر في قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون عام 1968!.

وكانت كل هذه السرقات تتم برعاية مع معهد الآثار بجامعة تل أبيب، ويقدر أحد المؤرخين قيمة الخسارة التي خسرتها مصر في عملية سرقات الآثار وتخريبها والتعويضات التي تستحقها بمبلغ خرافي يبلغ ألف مليار جنية!.

تحليل الرفات!

لم تقتصر أعمال البعثة العلمية الأثرية في سيناء فقط على سرقة الآثار، ولكن أيضاً على بعض الأبحاث الأنثروبولوجية، حيث قامت مجموعة متخصص في علم الأنثروبولوجيا “علم الأعراق” بجامعة “تل أبيب” بمحاولة خبيثة لتجريد سيناء من مصريتها، عن طريق أعمال الأنثروبولوجي والفحصوات لأكثر من 72 من الرفات الممستخرجة من 1177 مقبرة، لتزوير تاريخ سيناء، وإثبات أن قاطني سيناء ووادي فيران خاصة من أصول غير مصرية.

تل حبوه:

وإن كانت الكتائب الإسرائيلية قد عاثت فساداً في سيناء في الفترة الممتدة بين 1967 و 1982 إلا أن منطقة واحدة لم تستطع  أن تجري أعمال الحفر فيها، وهي تل حبوة.

يقع تل حبوة على مسافة 3 كم شرق قناة السويس الى الشمال الشرقى من مدينة القنطرة شرق وكذلك شمال شرق طريق القنطرة-العريش الحالي. وقد ورد ذكر الموقع للمرة الأولى في المقال الشهير للعالم الانجليزى الن جاردنر سنة 1920 وهى المنطقة الشهيرة على الطريق الحربى القديم المعروف باسم طريق حورس الحربى بين مصر و فلسطين . وقد حدد جاردنر الموقع على اساس انه المنطقة الثانية على طريق حورس طبقاً للنقش الشهير للملك سيتى الأول على الجدار الخارجى لصالة الأعمدة بمعبد الكرنك. وقد وصف الموقع بأنه مكون  من الطوب الأحمر وانه يقع على طريق القنطرة شرق العريش مباشرة . واعتبر جاردنر الموقع الذى عرف بتل حبوة هو ذات المكان الذى ورد في نقش الكرنك باسم قلعة الأسود أو قلعة رمسيس الثانى مع انه ذكر ان ما يظهر من الموقع من آثار على السطح تعود للعصر الروماني.

وأثناء الاحتلال الاسرائيلى لسيناء بعد عام 1967 كانت هناك محاولات من جامعة بن جوريون للقيام باعمال المسح الاثرى التى حددت عدة مواقع في المنطقة المعروفة بمثلث القنطرة شرق-بورفؤاد “شرق بورسعيد” – رمانة “شرق بلوزيوم” وهى المنطقة ذاتها المعروفة حالياً باسم سهل الطينة .

ولم تستطع إسرائيل الإقتراب من تلك المنطقة، حيث كان قريباً من جبهة قناة السويس ، وكان في مرمى المدفعية المصرية بكل سهولة.

مفاوضات استعادة الآثار:

لم تشتمل معاهدة السلام أي بنود تنص على عودة المنهوبات التي تم سرقتها من سيناء، ولم يكن في الإتفاقية ما يلزم إسرائيل برد  هذه الآثار ولكن توصلت المفاوضات إلى إعادة المنهوبات من مواقع سرابيط الخادم ووداي فيران،

واستلمت مصر الآثار من إسرائيل على 4 دفعات طوال عامين من 1992 إلى 1994، وكانت أكبر عملية إسترداد آثار في التاريخ المصري، حيث استلمت السلطات المصرية 1800 صندوق متخمة بالقطع الآثرية.

وعلى الرغم من تسلم اسرائيل للآثار المنهوبة، إلا أن قائد مثل موشي ديان – والذي كان يقول أن الطائرة هبطت به ذات يوم مع بعض من الجنرالات في سرابيت الخادم فحمل منها بعض شواهد القبور الإغريقية الأثرية وعاد بها إلى بيته في تل ابيب – يقول أنه علىالرغم من أن مصر تمكنت من استعادة بعض القطع الأثرية إلا أنه لا يزال يمتلك الكثر من تلك القطع!

المتاحف الإسرائيلية:

تعرض المتاحف الإسرائيية حتى الآن العديد من الآثار المصري، كما يقول الدكتور بسام الشماع المؤرخ وأستاذ علم المصريات وعضو الجمعية التاريخية وأحد أشهر رجالات التاريخ حملته الصارخة لإسترداد أثارنا من “تل أبيب”، ويقول أن السائح فقط ليس عليه سوى أن يدفع 16 دولار يرى التوابيت الكانوبية الملونة والمناظر المنحوتة للخيول النادرة والتماثيل المصرية القديمة لأزوريس وحتحور، والقطة السوداء باستيت، وتمثال للطائر أبو منجل.

وتشتهر العديد من العائلات الإسرائيلية في تجارة الآثار المصرية مثل عائة علاء بيدون وماهر عويضة، خلال مزادات شرعية في تل ابيب، وبعضها يتم تهريبه إلى أوروبا ، والمشكلة الأكبر أن إسرائيل لم توقع على إتفاقية “اليسد” الخاصة بالتجارة الغير شرعية بالآثار، والتي أقرتها اليونسكو والخاصة بحماية الآثار، ولذلك لا يعتبر الإتجار في الآثر أمر غير قانوني في إسرائيل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى