تقاريرسلايد

الشدة المستنصرية.. عندما أكل المصريون بعضهم “حرفيًا”

من أنقذ مصر منها؟

كتب- أحمد المرسي

 

يمر العالم اليوم بأزمة اقتصادية كبيرة للغاية. وارتفاع في الأسعار. بسبب الحروب الدائرة. ولكن قد يكون هذا بالنسبة لدارسين التاريخ أمرًا ليس الأخطر. إذا ما قارناه بما حدث فيما أسماه المؤرخون الشدة المستنصرية .

تبدأ قصة الشدة المستنصرية – نسبة للخليفة الفاطمي المستنصر بالله والذي حكم مصر 60 سنة – بقتل الوزير اليازوري.

وقد كان أبو محمد اليازوري أكبر وزراء مصر. وواحد من الرجال الأذكياء المحنكين سياسيًا واقتصاديًا. ولكن خوف “رصد” والدة المستنصر. الغلام الذي تولى الحكم بعد موت والده. وهو لازال قليل الخبرة جعلها تحذره من امتداد سمعة اليازوري وسط الشعب. مما يجعله قادرًا في أي وقت عن إزالته عن سدة الحكم.

وتحت ضغط من والدته أمر المستنصر بقتل اليازوريالذي كان يلقب بسيد الوزراء. وطلب مجيئه إلى القصر. وفور أن دخل عليه. أمر السياف بالإطاحة برأسه. وهو ما حدث. وتم الأمر لأم الخليفة.

تقدمت أم الخليفة لقيادة الدولة. في ظل صغر ابنها الضعيف الصغير. ولكن دماء اليازوري كانت تقف بينها وبين الإدارة الصحيحة للدولة. حيث لم تستطع أن تقوم بممارسة مهامها لقلة خبرتها. وإعراض الوزراء عن مساعدتها.

خلافات في الجيش

تكون الجيش الفاطمي من ثلاثة عرقيات رئيسية؛ هم: المغاربة البربر، وهم من جاؤوا مع الفاطمين من المغرب. والأتراك الذين جيء بهم من الشمال للقتال، والسودان: وهم عبيد سود تم تعليمهم على حمل السيف والقتال. وقد تقاتلت الفئات الثلاثة. ففي البداية. تكالب المغاربة والترك على السود. وطردوهم إلى الجنوب. فعاثوا فسادًا في صعيد مصر. وتوجه المغاربة ليفرضوا سلطتهم على الوجه البحري. فيما عاث الأتراك فسادًا في القاهرة وما حولها.

تسببت تلك الحالة من الفوضى في عدم استتباب الأمن. وبدأ الناس يخافون على حياتهم. بعد انتشار الجنود والعسكر في البلاد. خاصة مع عجز “رصد” – أم الخليفة – عن دفع مرتبات الجند. مما جعلهم يلجأون إلى السرقة ونهب الخلق.

غضب النيل

مع تلك الأوضاع السيئة. وبمبدأ أن المصائب لا تأتي فرادى كالجواسيس بل سرايا كالجيش. فقد انخفض منسوب المياة في ذلك العام. وكاد يجف. لتبدأ واحدة من أسوأ المجاعات في التاريخ والتي أطلق عليها الشدة المستنصرية.

مع ورود الأخبار بقلة منسوب الماء. بدأ التجار في نقل ما تبقى لديهم من حبوب وشعير إلى مخازن خارج القاهرة. بعد انعدام الأمان فيها. وهو ما سرع في ظهور الأزمة.

فبدأ العنف باقتحام الناس للدكاكين. وسرقة ما بها من قمح وشعير. واقتحمت المخابز. فسرق الخبز. وغاب الأمن والقانون. فكان ظهور رجل وهو يحمل على كتفه جوال من القمح أو الشعير نذير بالاعتداء عليه وسرقتها منه. ونهبها.

مع ارتفاع أسعار القمح والحبوب بدأ يرتفع سعر رغيف الخبز في الارتفاع. وهو ارتفاع غير منطقي. حيث يروي المقريزي حادثة مؤسفة لامرأة خرجت على ناصية بيتهم ومعها عقد من اللؤلؤ. وسألت أن يعطيها أحدهم رغيف خبز مقابل هذا العقد. فلما لم تجد من يشتريه ألقته في الأرض. ويقول المقريزي أنه بقي على الأرض تدهسه أقدام الفقراء ثلاثة أيام. حيث أنه بلا قيمة لا يشتري شيئًا. وحيث أن الخبز أندر منه.

ويحكي المؤرخون أن تاجر دخل حارة من الحارات ومعه سلة بها 20 رغيفًا. فكان يشتري البيت برغيف. فاشترى فيومئد 20 بيتًا. ويذكر الصلت بن الجوزي في تاريخه أن امرأة اشترت جوال قمح بألف درهم. واتفقت مع صاحبه أن تأتي هي لتأخذه. بعد أن رفض أن يخرجه من بيته خوفًا من أن يراه العامة. فخرجت له. وأخذت منه الجوال. ولكن في الشارع تكالب عليها العامة. وفتحوا الكيس. وأخذوا يسرقون منه. فلم ينالها منه إلا ما يملأ قبضة يدها. فعادت به إلى ولديها. وخبزت رغيفين. ثم خرجت وصعدت الجبل وصارت تنادي الخليفة المستنصر وتقول له أنها اشترت رغيفين بألف درهم.

مع عدم وجود الطعام. توحشت الحيوانات. وصارت الكلاب تهاجم البيوت. وتخطف الأطفال الصغار وتأكلهم. مما تسبب في حالة من الهلع.

أكل الحيوانات

مع استمرار الوضع على هذا الحال. بدأ الناس في صيد الحيوانات وأكلها. وما حدث تسبب في النهاية بنقص ملحوظ في أعداد الحيوانات. فبلغ سعر الكلب 5 دنانير ذهبية وهو ما يعادل الآن 30 ألف جنيهًا. وبلغ سعر القط 3 دنانير وهو ما يوازي اليوم 20 ألف جنيه.

ماتت الخيول. حتى خيول الخليفة. بسبب نقص العليق. ولم يبقى له غير بغلة يركب فوقها. نحيلة متعبة. ولما علم العامة بذلك. سرقوها. فأرسل الخليفة جنده ورائهم. فعلم أن ثلاثة من العامة سرقوا البغلة وأكلوها. فأمر بشنقهم. في أحد الميادين. ولكن في الليل. خطفت تلك الجثث الثلاثة وعرف أنها أكلت.

أكل البشر

يعتقد بعض المؤرخين المحدثين أن أكل المصريين لبعضهم كان مبالغًا فيه. ولكن القصص التي رواها المؤرخون القدامى تنبأ بتكرار تلك الحوادث. وإن لم تكن عامة في عموم الشعب.

فيقول المقريزي أن عصابات خطف البشر والقتل انتشرت. وتم بيعهم كلحوم. وأن الضحايا كانوا في البداية من الأطفال لسهولة حملهم. وقتلهم. ويقول المقريزي أن في القاهرة كان هناك يسمى زقاق القتل. وهو زقاق ضيق بيوته متقاربة متواجهه. فإذا دخله أحدهم اصطاده أهله من فوق الأسطح بالخطاطيف. حيث يتم قتله. وطبخه وأكله!.

وكان أغلب الضحايا كما قيل من الأطفال ثم من البنات. لسهولة التغلب على مقاومتهن. ويحكي أحد المؤرخين أن رجل مرض فأتوا بالطبيب لكي يرى ما به. وعندما دخل على المرض عرف أنه كان في “كمين” حيث تم قتله. وأكله.

ويقول:

صار الناس في الطرقات إذا قوي القوي على الضعيف يذبحه ويأكله. 

نهاية الأزمة

عندما اشتدت الأزمة على مصر. عجز المستنصر بالله عن التصرف. وذلك لقلة خبرته. فأرسل في النهاية إلى واليه على عكا “بدر الدين الجمالي”. وأمره أن يأتي إلى مصر. فاشترط الجمالي أن يتولى زمام كل الأمر في مصر بالكامل. وأن يحضر جنوده معه.

وكان بدر الدين الجمالي مملوكًا أرمينيًا. وقد كان مملوكًا لجمال الدولة بن عمار فلذلك لقب بالجمالي.

أتى الجمالي بجيشه. ففرض السيطرة على البلاد. وانهى صراعات الفصائل التركية والأفريقية وهجمات المغاربة. وفرض الأمان فرضًا في الشوارع. ثم بدأ في الاهتمام بالزراعة. وأمر الفلاحين بزراعتها وإلا أخذت منهم. ثم عاقب التجار الجشعون بالقتل. وتعليق جثثهم عبرة لغيرهم. وفرض القوانين. وقام باستيراد القمح. وفرض بيعه بدينار واحد في الأسواق. وكان عدد المصريين قد نقص إلى الثلث. حيث مات الثلثين في خلال 7 سنين عجاف.

سكن بدر الدين الجمالي القاهرة. وبدأ في تعميرها. فبنى لها الأسوار وحصنه. وقام ببناء سور القاهرة المعروف حاليًا. وعمل لها أبواب. معروفة إلى الآن. منها باب الفتوح. وباب النصر. وباب زويلة.

ومع مرور الوقت عاد النيل إلى منسوبه الطبيعي مرة أخرى والزيادة. ومع السيطرة على الأسواق. وأعادة تقوية المدن. وتوسيعها. وإرساء الهدوء والأمان. انتهت الشدة. واستحق بدر الدين الجمالي التخليد. باعتباره الرجل الذي هزم الشدة المستنصرية. حيث سمي حي الجمالية على اسمه بعد ذلك. حيث مات عام 487هـ وقد ناهز الثمانين عاماً.

اقرأ أيضًا: 

غرفة الجماجم.. لغز دير سانت كاترين المرعب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى